مثّلت عملية «طوفان الأقصى»، في السابع من أكتوبر 2023، نقطة تحوّل مفصلية في المشهد السياسي الصهيوني، ليس فقط بسبب تداعياتها الأمنية والعسكرية، وإنما أيضًا بسبب ما أحدثته من هزّة في ثقة قطاعات واسعة من المجتمع الصهيوني بالقيادة السياسية والأجهزة الأمنية، بخلاف تغييره الجذري للصورة الذهنية لشعوب العالم حول القضية الفلسطينية . فقد كشفت هذه المعركة عن إخفاقات كبيرة في منظومتي الأمن والاستخبارات، ووضع حكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو أمام أزمة شرعية سياسية، تداخلت فيها مسؤولية الإخفاق الأمني مع إدارة الحرب في قطاع غزة، وقضية الأسرى، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، أصبح مسار الانتخابات في دولة الاحتلال مرتبطًا بصورة متزايدة بقدرة الأحزاب الحاكمة والمعارضة على استثمار تداعيات الحرب، وتقديم تصورات مختلفة لمستقبل الأمن لدولة الاحتلال والعلاقة مع الفلسطينيين. كما برزت أهمية الأحزاب العربية في معادلة التمثيل البرلماني وإمكانية التأثير في تشكيل الحكومات، بالتوازي مع التساؤلات بشأن مستقبل اليمين المتطرف والتيارات القومية والدينية المتشددة.
غير أن تحليل هذه التحولات يتطلب التمييز بين التغير في اتجاهات الرأي العام الصهيوني والنتائج الانتخابية الفعلية؛ فتراجع شعبية الحكومة لا يعني بالضرورة خسارة اليمين مقاعده البرلمانية، كما أن تحسّن أداء الأحزاب العربية لا يعني تلقائيًا قدرتها على التأثير في تشكيل الحكومة.
وأكدت النتائج أنه لم يتمكن أيٌّ من المعسكرين الرئيسيين من حسم الأغلبية البرلمانية، في ظل تقدم نسبي حتى الأن لمعسكر بنيامين نتنياهو حيث حصل تحالفه على 53 مقعدا ، مقابل صعود ملحوظ للأحزاب العربية التي حصلت على 19 مقعد ، وتزايد فرص المعارضة، والتي حصلت على 48 مقعدا، في محاولة تشكيل حكومة بديلة، إذا تحالفت مع الكتلة العربية. إذ يتطلب تشكيل الحكومة الحصول على دعم 61 عضوًا من أصل 120 عضوًا في الكنيست. وبذلك، لم يكن تقدم معسكر نتنياهو كافيًا لضمان تشكيل حكومة مستقرة، بينما ظلت المعارضة بحاجة إلى تفاهمات سياسية وبرلمانية، لا سيما مع الأحزاب العربية.
وإذا أردنا أن نكون واقعيين، فإن هذه النتائج الأولية، التي لم تُعلن رسميًا بعد، تؤكد مجموعة من الحقائق، نجملها فيما يلي:
• أولًا: تراجع قدرة الائتلاف الحاكم لا يعني بالضرورة فوز المعارضة.
رغم تراجع قدرة الائتلاف الحاكم على الاحتفاظ بأغلبية مضمونة، لم يتحول ذلك تلقائيًا إلى فوز حاسم للمعارضة. إذ لا تزال الأحزاب اليمينية والدينية المتشددة تمتلك وزنًا برلمانيًا معتبرًا، في حين تواجه المعارضة، التي لا تختلف في جوهر كثير من سياساتها عن معسكر الليكود، صعوبة في توحيد قواها حول برنامج مشترك، فضلًا عن الخلاف بشأن التعاون مع الأحزاب العربية.
وعليه، فإن التوصيف الأدق لهذه النتائج هو أنها تعكس إضعاف قدرة نتنياهو على الحكم منفردًا، وتعزيز موقع المعارضة والكتلة العربية، من دون حسم نهائي للصراع على السلطة.
• ثانيًا: طبيعة المجتمع الصهيوني وموقفه من القضية الفلسطينية.
المجتمع الصهيوني، في الأصل، مجتمع عقائدي ينظر إلى السياسة من منظور أيديولوجي، ويناصب العرب والمسلمين العداء، ولن يرضى بأي انفراجة تصب في مصلحة القضية الفلسطينية. ويسعى، بمختلف تياراته، إلى تحقيق الحلم الذي جاء من أجله إلى أرض الميعاد المزعومة، والمتمثل في إقامة دولته المزعومة من الفرات إلى النيل.
ومهما اختلفت توجهات هذا المجتمع الانتخابية، فإنه لن ينحاز يومًا إلى الحق العربي في فلسطين؛ وإنما ما يحدث هو اختلاف في درجات العداء لأمتنا وقضيتنا الفلسطينية.
• ثالثًا: السابع من أكتوبر وتداعياته على نتنياهو.
أحدثت هجمات السابع من أكتوبر صدمة واسعة في مجتمع دولة الاحتلال، بعدما كشفت عن إخفاقات في الاستعداد الاستخباراتي والأمني، وعجز عن منع الهجوم أو احتوائه بالسرعة المتوقعة. وأصبحت هذه الإخفاقات محورًا للجدل حول مسؤولية الحكومة والقيادة الأمنية، فضلًا عن المطالب بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين.
وقد واجه نتنياهو، بصفته رئيسًا للحكومة وقت وقوع الهجوم، ضغوطًا سياسية وشعبية بشأن مسؤوليته عن الإخفاقات، كما ظلت قضية الأسرى وإدارة الحرب من الملفات المؤثرة في تقييم أدائه. وتُظهر هذه النتائج أن الحرب التي أعقبت طوفان الأقصى أسهمت بقوة في إضعاف موقفه الانتخابي، وأثرت بالشكل الذي ظهر في نتائج هذه الانتخابات .
• رابعًا: إعادة النظر في مفهوم الأمن الإسرائيلي.
دفعت أحداث طوفان الأقصى وما تلاها قطاعات من الناخبين إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الإسرائيلي، وفي العلاقة بين القوة العسكرية والاستقرار السياسي. ولم يعد النقاش مقتصرًا على كيفية الرد العسكري، بل امتد إلى مساءلة القيادة السياسية، وكفاءة المؤسسات، ومستقبل إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
كما تداخلت تداعيات الحرب مع قضايا داخلية، من بينها الإعفاءات من الخدمة العسكرية لبعض الفئات الدينية المتشددة، والإنفاق العام، ومكانة القضاء، وطبيعة العلاقة بين الدولة والتيارات القومية والدينية. وتشير التغطيات التي أعقبت الانتخابات إلى أن هذه الملفات أسهمت في تعميق الانقسام السياسي، بدلًا من أن تؤدي الحرب إلى توحيد المجتمع الإسرائيلي خلف قيادة واحدة بصورة دائمة.
• خامسًا: تعدد العوامل المؤثرة في سلوك الناخب الصهيوني.
الناخب في دولة الاحتلال لا يتحرك وفق عامل واحد، بل تتداخل في قراره الاعتبارات الأمنية والأيديولوجية والدينية والاقتصادية. كما أن جزءًا من الجمهور ظل يرى أن استمرار القيادة الحالية، أو تبنّي سياسات أكثر تشددًا، قد يكون أكثر ملاءمة لمواجهة التهديدات الإقليمية.
• سادسًا: إخفاق الآلة الإعلامية الصهيونية في حشد التأييد للحكومة.
ظهر بوضوح من هذه النتائج إخفاق الآلة الإعلامية الصهيونية في إقناع الجمهور بمواصلة دعم حكومة اليمين لمواجهة ما تصفه بالخطر العربي والإسلامي. فعلى الرغم من أن هذه الآلة أسهمت، في المرحلة الأولى التي أعقبت السابع من أكتوبر، في إيجاد حالة من التعبئة القومية وتعزيز أهمية الخطاب الأمني والعسكري في الحياة العامة، فإن استمرار الحرب وما ارتبط بها من خسائر بشرية وضغوط اقتصادية وتوترات دولية أضعف هذه المحاولات، وأثار تساؤلات حول أهداف الحرب ونتائجها، ومدى قدرة الحكومة على تحويل العمليات العسكرية إلى مكاسب سياسية وأمنية مستدامة، وذلك بخلاف فشلها في تغيير الصورة الذهنية للكيان الصهيوني ، التي غيرتها طوفان الأقصى لدى شعوب العالم ، وحولت بوصلتهم تجاه الحق الفلسطيني وعدالة قضيته .
• سابعًا: تراجع قدرة معسكر نتنياهو على تأمين الأغلبية البرلمانية.
علينا أن نلحظ أن تراجع قدرة معسكر نتنياهو على تأمين أغلبية برلمانية يُعد أحد أبرز مؤشرات هذه الانتخابات، وهو ما يؤكد تراجع الثقة في الحكومة، وانحسار قدرة أحزاب اليمين المتشدد على فرض شروطها بالسهولة التي كانت تسعى إليها.
• ثامنًا: المعارضة وأزمة تشكيل الحكومة البديلة.
استفادت المعارضة في دولة الاحتلال من تراجع الثقة في حكومة نتنياهو، وطرحت نفسها بوصفها خيارًا لتغيير القيادة وإعادة تنظيم أولويات الدولة. وبرز في هذا السياق غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ، إلى جانب شخصيات وأحزاب معارضة أخرى تنتمي إلى اتجاهات وسطية ويسارية ويمينية. ومع ذلك، تواجه المعارضة ثلاث مشكلات أساسية:
- التباين الأيديولوجي: تضم المعارضة قوى تختلف فيما بينها بشأن الاستيطان، والقضية الفلسطينية، والعلاقة مع الأحزاب الدينية، والسياسات الأمنية.
- أزمة تشكيل الحكومة: لا يكفي حصول المعارضة على مقاعد أكثر من الائتلاف الحاكم؛ بل يتعين عليها تأمين دعم 61 نائبًا على الأقل.
- الموقف من الأحزاب العربية: تتردد قطاعات من المعارضة في إقامة تحالف حكومي مع الأحزاب العربية، رغم أن التعاون معها قد يكون حاسمًا في تغيير الحكومة.
وهكذا، فإن تقدم المعارضة يعكس أزمة في شرعية القيادة القائمة أكثر مما يعكس توافقًا وطنيًا واسعًا على برنامج سياسي بديل. وقد تكون الانتخابات بداية لإعادة تشكيل النظام الحزبي، لكنها لا تضمن وحدها تحولًا جوهريًا في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
• تاسعًا: صعود الأحزاب العربية ودلالاته السياسية.
يُعد تقدم الأحزاب العربية من أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها في هذه الانتخابات. فقد أظهرت النتائج أن القائمتين العربيتين الرئيسيتين، «القائمة المشتركة» و«القائمة العربية الموحدة»، اقتربتا مجتمعتين من الحصول على 19 مقعدًا، مقارنة بخمسة مقاعد لكل منهما في الكنيست المنتهية ولايته. وإذا تأكدت هذه الحصيلة في النتائج الرسمية، فستكون زيادة تاريخية في حجم تمثيلهما البرلماني المشترك.
ولا يمكن تفسير هذا التقدم بوصفه مجرد تغير عددي في توزيع المقاعد؛ فهو يعكس جملة من التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع العربي داخل دولة الاحتلال .
وفي هذا السياق، أشارت التقارير الأولية إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة مشاركة المواطنين العرب في التصويت، مع تقديرات إعلامية قاربت 80%، وهو مستوى استثنائي وفق المقارنات التاريخية المتداولة. وقد عكس ذلك رغبة لدى قطاعات من الناخبين العرب في التأثير المباشر في تشكيل الحكومة، بدلًا من الاكتفاء بموقف المقاطعة أو التعبير عن الرفض من خارج المؤسسات.
• عاشرًا: دوافع التصويت العربي وإمكانية التأثير في تشكيل الحكومة.
أثارت الحرب على غزة وما صاحبها من خسائر بشرية ودمار واسع، إلى جانب التوترات الداخلية والسياسات التي تبنتها حكومة نتنياهو، غضبًا واسعًا بين قطاعات من المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، تجلّى في الحشد العربي أمام صناديق الاقتراع. كما أسهمت المخاوف المتعلقة بالتمييز والعنف والجريمة المنظمة وتراجع الإحساس بالأمان في جعل الانتخابات وسيلة للتعبير عن الاعتراض على السياسات الحكومية.
وفي هذا السياق، اتخذ التصويت العربي بُعدين متداخلين: الدفاع عن المصالح المدنية والاجتماعية للمواطنين العرب، والمشاركة في منع استمرار حكومة يُنظر إليها على نطاق واسع داخل المجتمع العربي باعتبارها معادية لمطالبه وحقوقه.
وتتمثل الأهمية السياسية الأكبر لتقدم الكتلة العربية في إمكانية تحولها إلى طرف مرجّح في مفاوضات تشكيل الحكومة الصهيونية. فوفقًا للتقديرات الجزئية، قد يتمكن معسكر المعارضة والأحزاب العربية معًا من تجاوز عتبة الأغلبية البرلمانية، وهو ما يفتح، نظريًا، المجال لتغيير الحكومة.
• بين واقع الانتخابات وحقائق الصراع
وأختم هنا وأقول ، ما سبق هو تحليل لواقع سياسي فرضه علينا عدونا، نتقلب فيه بين الصعب والأصعب، والسيء والأسوأ. وما ذلك إلا بما كسبت أيدينا، من تخاذل عربي وإسلامي عن استرداد الحقوق، وخذلان لفصائل المقاومة الفلسطينية الشريفة والمناضلة، والتضييق عليها وحرمانها من إمدادات المال والسلاح، والانشغال بمعارك صنعتها القوى الصهيوأمريكية لاستنزاف دماء العرب والمسلمين. وما يحدث في منطقة الخليج ليس منا ببعيد.
وعلينا، في النهاية، أن نعلم جميعًا أن من يراهن على أي قوى داخل مجتمع دولة الاحتلال، سواء أكانت سياسية أم أيديولوجية، لحلحلة القضية الفلسطينية، فإن رهانه خاسر؛ لأن المجتمع الصهيوني، بمختلف توجهاته وأفكاره، معادٍ لحقنا التاريخي في فلسطين، بل هو مجتمع أيديولوجي يحارب كل ما يمت بصلة إلى ثقافتنا وهويتنا وجذورنا العربية والإسلامية.
ولنعلم جميعًا أن الحقوق لا تُسترد بالأماني والنوايا الطيبة، وقد ضربت طوفان الأقصى مثلًا سيظل نبراسًا في تاريخ هذه الأمة، وأكدت أن ما أُخذ بالقوة لا يُرد إلا بالقوة، وأن على الأمة أن تتيقن أن لا خلاص من هذا الكيان السرطاني، إلا بالاستئصال والمواجهة المتحررة من قيود السلام المنبطح الذي أذلّ أنوف من غرقوا في وحله، وإن وعد الله سيتحقق حتمًا يومًا ما بزوال هذا الكيان، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ "الإسراء أية 7"، إن كان الصهاينة يرونه بعيدا فإننا نراه بكل يقين قريبا ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ "المعارج: 6-7 "، و﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ "يوسف: 21".
-----------------------------------
بقلم: د. هاني صلاح الدين






